طريق الآلام - عادل غنيم

طريق الآلام .pdf
Adobe Acrobat Document 241.1 KB

 طريق الآلام – آلاَمَ الزَّمَانِ الْحَاضِرِ لاَ تُقَاسُ بِالْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا (رومية 18:8) – الآلام التى يعانى منها المؤمن خلال حياته الدنيوية الحالية هى منطقية لأنه قد تبرر ولم يتبرر العالم الشرير من حوله فيما بعد.

الصورة: ريف محافظة البحيرة الرائع – مصر. تصوير: عادل غنيم

 

جحيم العالم:

نحن حقيقة – خلال مضينا فى طريق الحياة – لو كنا قد آمنا بالله وبمسيحه المخلص – نمر عبر طريق مرير من الآلام .. إن هذا الإيمان العجيب قد ألقى فى صدورنا ووجداننا شرارة نور من طبيعة شديدة الخصوصية .. إن الحقيقة المطلقة قد لمسناها ولو للحظة .. تلك الومضة من النور الإلهى شديدة الإبهار وهجت قلوبنا ورهفتها لأقصى درجة .. جعلتها تلتصق بالرقى الكامل وبالمثالية فى تلك اللحظة الخارقة التى عمل فيها الإيمان المسيحى علينا وأثر بهذا المفعول شديد الوعد فينا .. تلك اللحظة نقلتنا من الضد الى الضد .. من عالم الفناء والموت الأبدى الى عالم الوجود والحضور الى الأبد فى معية الكمال المطلق .. ليس فى عالم مادى فيزيائى بحت بل فى عالم مثالى لا ينقصه شىء معنوى أو حتى مادى البتة .. إنه الملكوت الإلهى الأبدى الفريد ..

 

هذه النقلة الكبرى التى عملت فى وجداننا ومعتقداتنا قد فصلتنا حتما عن العالم الأرضى الذى كنا نحيى فيه من قبل .. وتغربنا عنه وجعلتنا نحيى فوقه .. وجعلته غير متآلف ولا متفق مع تكويننا الروحى الجديد .. أى أننا بحدوث الإيمان نكون قد ألقينا فى جحيم العالم الذى يؤدى الى الموت فقط لا الى الحياة لا حاضرة سعيدة ولا مستقبلية فى المكلوت الآتى ..

 

لذلك تتحول كل لحظة نقضيها فى العالم بقوانينه الوضعية العاملة فيه – التى من صنع البشر – كل لحظة تتحول لتكون بالنسبة لنا عذاب .. وألم .. وحزن .. إن "حزن عالم" ينتج موتا بعكس الحزن الذى يحدث بسبب الإعتداء على حق الله العامل فينا .. لأَنَّ الْحُزْنَ الَّذِي بِحَسَبِ مَشِيئَةِ اللهِ يُنْشِئُ تَوْبَةً لِخَلاَصٍ بِلاَ نَدَامَةٍ، وَأَمَّا حُزْنُ الْعَالَمِ فَيُنْشِئُ مَوْتًا.(2 كورنثوس 10:7) .. بهذه الحالة القاسية نلج خلال ممر ضيق للغاية – فيما تبقى لنا من مسيرة فى العالم الحالى الذى سقط بسقوط آدم – معرضين لتلك الأوجاع قاصدين الملكوت .. إنه حقا طريق آلام .. وهو بنفس خصائص وأوجاع طريق آلام المسيح الذى مر فيه قبل صلبه وموته عن العالم فى أورشليم .. هو ونحن مضطهدين معذبين مفترى علينا .. هو ونحن بسطاء ودعاء راضين متحملين كل ألم نقسى وجسدى من أجل الملكوت الآتى .. كلنا كمسيحيين – أتباع ليسوع – زاهدين العالم وما فيه من ملذات تاركين كل شىء به من أجل الفردوس الإلهى الأبدى العجيب الموعود وطننا الحقيقى ..

  

إننا نمر حاليا بهذا الطريق بجسد الخطية حاملين صليبنا .. صليبنا الحالى – أو أداة آلامنا وصلبنا – هو العالم كله وبخاصة ما نملك فيه .. فكل ممتلكاتنا أعباء ومسئوليات نحملها على عاتقنا فى ذلك الطريق الوعر .. وسوف ننال ما ناله المسيح فى نهاية هذا الطريق .. أعنى الصلب أيضا – "الصلب عن العالم" رمزيا .. "والموت عنه" وعن شهوته وتركه بكل سرور .. الَّذِينَ هُمْ لِلْمَسِيحِ قَدْ صَلَبُوا الْجَسَدَ مَعَ الأَهْوَاءِ وَالشَّهَوَاتِ. (غلاطية 24:5).. نحن شركاء للمسيح فى آلآمه .. بهذا المفهوم الذى يعمل علينا بعد الإيمان فإن الموت عن العالم وترك ما فيه – رغم آلامه تلك التى نشعر بها – يدفع الى الحياة الأخرى الأبدية .. تلك التى لا تمت للعالم الحالى بصلة من قريب أو من بعيد .. إن العالم الروحى الأبدى هو عالم البقاء الحقيقى .. والتواجد والحضور الدائم مع الله ومسيحه البار هو المكافأة عينها على تحملنا الآلام التى مررنا بها خلال السير فى طريق الآلام والصلب كالمسيح بالضبط .. فإن بعد الموت يكون الدفن "عن العالم" .. ثم "القيامة المجيدة" لحياة خالصة منتصرة مع الله ومسيحه الفادى فى جنة أبدية .. وما عملناه من معمودية بكامل إرادتنا من ترك للعالم والموت بسبب الخطية والقيام الى حياة أبدية منتصرة هى رموز عملية على قناعتنا وإيماننا بهذا العبور المهيب الى الملكات الروحية الأبدية الواعدة ..

 

ومما يزيد من ألامنا تمسكنا بعمل الدعوة والتبشير بالله وبمسيحه وبخطة الخلاص الإلهى التى تنقذ العالم من الهلاك الأبدى .. فإن الدعوة للنور فى قلب الظلمة هى مجهدة للغاية وخطرة .. فقوى الظلام والشر التى يقودها الشيطان – الذى مايزال يحكم فى العالم – تعمل على إبقاء الفساد فى الأرض .. ضد رغبة الله .. فينتج الصراع – وإن كان صراعا محسوما لصالح الله والحق – إلا إنه قاسى ومتعب جدا .. وتتوهج فيه كل حين "شهادات" و"انتقالات" فورية لرجال الملكوت المبشرين به – خلال كرازتهم – الى الأبدية .. إن الملكوت يستقبل "شهداء" أثناء البشارة بالملكوت كل يوم ..

 

الحياة فوق العالم:

لقد هانت علينا حياتنا المادية الدنيوية لأقصى درجة من أجل نشر الكلمة فى مواجهة عمل الشيطان فى العالم ومن أجل القضاء عليه تماما وإزالة مملكته المتداعية الى الأبد .. نشر كلمة الشهادة لله ولمسيحه الفادى بين الناس .. وَهُمْ غَلَبُوهُ بِدَمِ الْخَرُوفِ وَبِكَلِمَةِ شَهَادَتِهِمْ، وَلَمْ يُحِبُّوا حَيَاتَهُمْ حَتَّى الْمَوْتِ. (رؤيا 12:11) .. وبهذا الإنتصار الحاسم والنهائى على الشيطان يمتد ملكوت الله – الذى أصبح فى داخلنا – من السماء الروحية الى الأرض المادية ويعيد اليها فردوسها المفقود ..لقد كرهنا العالم وكرهناه بعد أن عمل الإيمان بالله وبمسيحه فى قلوبنا .. لقد تحولنا من عبيد للعالم الى أسياد منتصرين عليه .. بهذه الغلبة على العالم صرنا – بفضل تلك النعمة التى لا مثيل لها فى الوجود كله – نعمة الإنتصار على العالم – قادرين على الولوج العسير من الباب الضيق الى الحياة الأبدية .. والفوز بالتواجد برفقة الحضرة الإلهية شديدة القوة والوعد والى الأبد .. لقد حولنا الإيمان المسيحى من خاضعين للعالم ولشهواته ولقوانينه الوضعية الى أبناء وبنات لله منتصرين على كل أغلال العالم الفانى وقوانينه التى تؤدى حتما الى هاوية الموت البشع ..

 

بهذه الروح الفذة يدعونا المسيح له المجد الى حياة أرضية أخرى على نفس هذه الأرض عندما يجىء الى العالم مرة أخرى ليدينه .. ويفصل بين الأبرار المؤمنين وبين الأشرار .. ويعيد ملك الله وحكمه على العالم كما كان منذ البدء – قبل سقوط آدم – وهو سيدفع بالأشرار الى الجحيم المستعر الذى سيلقيه على الأرض – فى حرب قاسية مستعرة وشيكة ضد الشيطان وجنوده من بشر على الأرض – ويضم المخلصين بهذا الإيمان الى كنيسته ليعيشوا معه ألف عام الى جواره فى حضوره يالجسد بيننا على الأرض للمرة الثانية .. ذلك بعد حضوره الأول منذ نحو ألفى عام مضت عندما أحدث شرارة البشارة الأولى بالإنحيل فى العالم ..

 

هذه هى وعود الألفية السعيدة المبررة حتى التمام فى العالم الأرضى هذا الذى نسكنه حاليا وبهذه الآلام التى نتعرض لها .. إن المسيح سيعود ويجنب هؤلاء المتألمين من أبناءه تلك العذابات دفعة واحدة وللأبد – ولو لم يكونوا قد وصلوا الى نهاية طريق الآلام فيما بعد وانتقلوا الى الملكات العليا – فإنه سيأخذهم ويضمهم الى ملكه الألفى السعيد على الأرض .. لذلك نحن المؤمنين فى سيرتنا فى العالم نتألم بسرور وبتطلع وشوق للمسيح الآتى .. وعلينا التمسك بالإحتمال والصبر الجميل وبالرضى وبالقبول لأوجاع العالم كما فعل المسيح نفسه فى طريق آلامه نحو الصلب والموت .. فنحن نمر فى نفق مظلم ونحن مستمتعين .. عجيا! .. وما يمتعنا ويشجعنا على الإستمرار فى المضى ويسرنا وينسينا آلامنا هو أننا نرى نور وجة المسيح فى نهايته ..وعندما نصل بثباتنا الى المنتهى "نصلب عن العالم" مثله .. "نموت عن العالم" بكل رضى .. وننال إكليل الشهادة الذى يدفعنا دفعا فى نفس اللحظة الى الأبدية .. ولو لم نمت وعايشنا الشرف الهائل لحضور المسيح بجسده فى العالم معنا نلج الى تلك الألفيه السعيدة التى تؤدى أيضا الى الأبدية المظفرة فى العالم الروحى بعد نهايتها على الأرض .. فنكون فى الحالتين قد نلنا مكافأة إحتمالنا للآلام وعدم مجاراة العالم الفاسد فى طريقة تناوله لمجريات الوجود من الإعتماد على النفس وحب الشهوات والمال والسلطان الى آخره ..

 

حضور المسيح:

إن حضور المسيح بالروح فى العالم الذى بدأ بالفعل وعمل ما نراه ونعاينه حاليا بألم وفرح – نحن المؤمنين فقط – من تصدع فى المجتمعات البشرية .. وسقوط الرئاسات والزعامات كأروراق الشجر اليابسة كل برهة من زمن .. ففى حضوره تتعطل كل رئاسة كما يقول الكتاب:مَتَى أَبْطَلَ كُلَّ رِيَاسَةٍ وَكُلَّ سُلْطَانٍ وَكُلَّ قُوَّةٍ (1 كورنثوس 24:15) .. والمسيح فى الوقت الحاضر يقوض عمل الشيطان فى العالم تمهيدا لأسره ألف عام هى مدة الألفية السعيدة الآتية .. فَقَبَضَ عَلَى التِّنِّينِ، الْحَيَّةِ الْقَدِيمَةِ، الَّذِي هُوَ إِبْلِيسُ وَالشَّيْطَانُ، وَقَيَّدَهُ أَلْفَ سَنَةٍ، 3وَطَرَحَهُ فِي الْهَاوِيَةِ وَأَغْلَقَ عَلَيْهِ، وَخَتَمَ عَلَيْهِ لِكَيْ لاَ يُضِلَّ الأُمَمَ فِي مَا بَعْدُ، حَتَّى تَتِمَّ الأَلْفُ السَّنَةِ. (رؤيا 20: 2-3) .. ومن ثم – بعد ذلك – يتم القضاء عليه الى الأبد ويتحقق الملكوت الأرضى والسماوى الأبدين المنتظرين ..

 

لقد سلمنا الأمور بكامل إرادتنا لإرادة الله العليا الخلاقة لكى تعمل علينا وبنا وفينا ما تشاء .. وقد عملت عملها الهائل بالفعل .. وتلك الآلام التى نشعر بها ونحن مازلنا فى العالم تدلل على صحة إيماننا وسلامة ضمائرنا .. وتدلل على أن الإيمان قد عمل بنجاح فينا .. فنحن لم نعد جزءا من هذا العالم الذى يعمل فيه الشرير .. إن إرادة الله لايمكن أن تؤدى بالمؤمن الى الهلاك أبدا .. وهذا ما نثق فيه تماما ويشجعنا على تحمل الألم والظلم فى هذا العالم الذى هو فى منتهى القسوة علينا – نحن بالذات – لأننا إنفصلنا عنه ورفضناه فرفضنا .. والمكافأة الكبرى فى انتظارنا بعد قليل – أو حتى كثير – من الإحتمال والصبر خلال العبور منه عندما تتجدد الطبيعة وترد الى قوتها المهولة التى تعمل بقاءا أبديا .. ومهما طال زمن آلامنا على الأرض فهو منسوبا الى الأبدية التى وعدنا بها هو لمحة عابرة من زمن مررنا بها ببعض الألم وكانت إشارة من السماء على خلاصنا وعلى قبولنا فى الملء الإلهى الآتى للخليقة من جديد والى الأبد بلا سقوط مرة أخرى .. آمين ..

Write a comment

Comments: 2
  • #1

    oferty kobiet (Wednesday, 18 January 2017 06:29)

    najnieprzyzwoiciej

  • #2

    sex telefon (Wednesday, 18 January 2017 16:36)

    Dobiechniny